الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

35

مختصر الامثل

وتطرقت الآية التالية إلى النقطة التي تقابل هؤلاء ، فتقول : « وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَيهُمُ الْنَّارُ » . فهؤلاء مخلّدون في هذا المكان المرعب بحيث إنّهم : « كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُنتُم بِهِ تُكَذّبُونَ » . مرّة أخرى نرى هنا العذاب الإلهي قد جعل في مقابل « الكفر والتكذيب » ، والثواب والجزاء في مقابل « العمل » ، وهذا إشارة إلى أنّ الإيمان لا يكفي لوحده ، بل يجب أن يكون حافزاً وباعثاً على العمل ، إلّاأنّ الكفر كافٍ لوحده للعذاب ، وإن لم يرافقه ويقترن به عمل . وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 21 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ( 22 ) عقوبات تربوية : بعد البحث الذي مرّ في الآيات السابقة حول المجرمين وعقابهم الأليم ، فإنّ الآيات مورد البحث تشير إلى أحد الألطاف الإلهية الخفيّة ، وهي موارد العذاب الخفيف في الدنيا ليتّضح أنّ اللَّه سبحانه لا يريد أن يبتلي عبداً بالعذاب الخالد أبداً ، ولذلك يستخدم كل وسائل التوعية لنجاته . تقول الآية : « وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » . من المسلّم أنّ « العذاب الأدنى » له معنىً واسع يتضمّن أغلب الاحتمالات التي كتبها المفسرون بصورة مفصلة : فمن جملتها ، أنّ المراد المصائب والآلام والمشقّة ؛ أو القحط والجفاف الشديد الذي دام سبع سنين وابتلي به المشركون في مكة حتى اضطروا إلى أكل أجساد الموتى ؛ أو الضربة القاصمة التي نزلت عليهم في غزوة بدر ، وأمثال ذلك . وأمّا « العذاب الأكبر » فيعني عذاب يوم القيامة الذي يفوق كل عذاب حجماً وألماً . ولما لم تنفع أيّة وسيلة من وسائل التوعية والتنبيه ، حتى العذاب الإلهي ، لم يبق طريق إلّا انتقام اللَّه من هؤلاء القوم الذين هم أظلم الناس ، وكذلك تقول الآية التالية : « وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بَايَاتِ رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ » . وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ( 23 ) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ( 24 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 25 )